أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

268

العقد الفريد

ألفتها فاتخذتها وطنا * لأن قلبي لأهلها وطن زوّج حيتانها الضباب بها * فهذه كنّة وذا ختن « 1 » فانظر وفكّر فيما تمرّ به * إنّ الاريب المفكّر الفطن من سفن كالنعام مقبلة * ومن نعام كأنها سفن وقال الخليل بن أحمد : يا صاحب القصر نعم القصر والوادي * بمنزل حاضر إن شئت أو بادي ترفي به السّفن والظّلمان واقفة * والنّون والضّبّ والملاح والحادي « 2 » وقال إسماعيل بن إبراهيم الحمدوني : بروضة صبغت أيدي الربيع لها * برودها وكستها وشيها عدن عاجت عليها مطايا الغيث مسبلة * لهنّ في ضحكات أدمع هتن « 3 » كأنما البين يبكيها ويضحكها * وصل حباها به من بعده سكن « 4 » فولّدت صفرا أثوابها خضر * أحشاؤهنّ لأحشاء الندى وطن من كلّ عسجدة في خدرها اكتتمت * عذراء في بطنها الياقوت مكتمن وأنشد عمرو بن بحر الجاحظ : أين إخواننا على السرّاء * أين أهل القباب والدّهناء « 5 » جاورونا والأرض ملبسة نو * ر الأقاحي تجاد بالأنواء « 6 » كلّ يوم بأقحوان جديد * تضحك الأرض من بكاء السماء

--> ( 1 ) الختن : كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها . والكنّة : امرأة الابن أو الأخ . ( 2 ) النون : الحوت . والضبّ : حيوان من جنس الزواحف ، غليظ الجسم خشنه ، وله ذنب عريض حرش أعقد . والحادي : الذي يسوق الإبل . ( 3 ) الهتن : جمع الهتون : وهو الكثير المطر . ( 4 ) البين : الفرقة . ( 5 ) الدهناء : الفلاة . ( 6 ) الأنواء : جمع النوى : البعد ، والناحية يذهب إليها .